ابن عطية الأندلسي

147

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

قال النقاش وغيره : غشيتهم سحابة وحيل بينهم وبين موسى بالنور فوقعوا سجودا . قال السدي وغيره : وسمعوا كلام اللّه يأمر وينهى ، فلم يطيقوا سماعه ، واختلطت أذهانهم ، ورغبوا أن يكون موسى يسمع ويعبر لهم ، ففعل ، فلما فرغ وخرجوا بدلت منهم طائفة ما سمعت من كلام اللّه فذلك قوله تعالى : وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ [ البقرة : 75 ] ، واضطرب إيمانهم وامتحنهم اللّه بذلك فقالوا : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ولم يطلبوا من الرؤية محالا ، أما إنه عند أهل السنة ممتنع في الدنيا من طريق السمع ، فأخذتهم حينئذ الصاعقة فاحترقوا وماتوا موت همود يعتبر به الغير . وقال قتادة : « ماتوا وذهبت أرواحهم ثم ردوا لاستيفاء آجالهم ، فحين حصلوا في ذلك الهمود جعل موسى يناشد ربه فيهم ويقول : أي رب ، كيف أرجع إلى بني إسرائيل دونهم فيهلكون ولا يؤمنون بي أبدا ، وقد خرجوا معي وهم الأخيار » . قال القاضي أبو محمد رحمه اللّه : يعني وهم بحال الخير وقت الخروج . وقال قوم : بل ظن موسى عليه السلام أن السبعين إنما عوقبوا بسبب عبادة العجل ، فذلك قوله أَ تُهْلِكُنا يعني السبعين بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا [ الأعراف : 155 ] يعني عبدة العجل . وقال ابن فورك : يحتمل أن تكون معاقبة السبعين لإخراجهم طلب الرؤية عن طريقه ، بقولهم لموسى « أرنا » وليس ذلك من مقدور موسى صلى اللّه عليه وسلم ، و جَهْرَةً مصدر في موضع الحال ، والأظهر أنها من الضمير في نَرَى ، وقيل من الضمير في نُؤْمِنَ ، وقيل من الضمير في قُلْتُمْ ، والجهرة العلانية ، ومنه الجهر ضد السر ، وجهر الرجل الأمر كشفه . وقرأ سهل بن شعيب وحميد بن قيس : « جهرة » بفتح الهاء ، وهي لغة مسموعة عند البصريين فيما فيه حرف الحلق ساكنا قد انفتح ما قبله ، والكوفيون يجيزون فيه الفتح وإن لم يسمعوه . قال القاضي أبو محمد : ويحتمل أن يكون جَهْرَةً جمع جاهر ، أي حتى نرى اللّه كاشفين هذا الأمر . وقرأ عمر وعلي رضي اللّه عنهما : « فأخذتكم الصعقة » ، ومضى في صدر السورة معنى الصَّاعِقَةُ ، والصعقة ما يحدث بالإنسان عند الصاعقة . وتنظرون معناه إلى حالكم . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رحمه اللّه : حتى أحالهم العذاب وأزال نظرهم . قوله عزّ وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 56 إلى 58 ] ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 56 ) وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 57 ) وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ( 58 )